الخميس، 6 ديسمبر 2012

الدولة العميقة بين التفكيك والتفخيخ حتى لا تكون تيتانيك أخرى !!



الدولة العميقة بين التفكيك والتفخيخ
حتى لا تكون تيتانيك أخرى !!
الحرية والعدالة الخميس 6/12/2012
إعداد/ أ.د. محمد المحمدى الماضى
أستاذ الإدارة الإستراتيجية بجامعة القاهرة
www.al mohamady.com
إن ما نراه اليوم على الساحة المصرية من تخبط وتناقض واضطراب شديد لكثير من القوى التي كنا نظنها بلغت من العقل والنضج الوطني ما يجعلها تشارك بموضوعية في بناء مصر الثورة على أسس ديموقراطية سليمة،ليعتبر بحق شيئ محير يحتاج لوقفة علمية متعمقة للبحث عن جذور وأسباب هذا الذي يطفو على السطح،وعلاقته بما يسمى بالدولة العميقة.
فما هو المقصود بالدولة العميقة؟ ، وما هو دورها فى توجيه دفة الأمور فى حياة الدول والناس ، وأين موقعها الآن من ثورة مصر المباركة ، وهل هي معها أو ضدها ؟ وما الذى تستخدمه من استراتيجيات وتكتيكات ؟ وما الذى يجب أن يتم اتخاذه حيالها من إجراءات ؟
بداية إذا أردنا أن نتعرف على الدولة العميقة وهيكلها ، فإننا ببساطة نجدها تتكون من هيكل هرمى شديد الترابط بعضه يظهر على السطح ،وأغلبه غاطس تحت الأرض ، تماما مثل جبل الجليد ، وأخطر ما فى هذا الجبل هو الجزء الخفى ، الذى يمثل دولة الظلام الشيطانية ، وهذا الجزء هو الذى يحرك ما هو ظاهر فى الاتجاه الذى يريده .
يتكون الجزء الخفى من عناصر شيطانية لا تعمل إلا فى الظلام ، وأهم مكون فيها هى العناصر الأمنية والمخابراتية التى فسدت فطرتها ، وأنطمست بصيرتها وتاجرت بوطنيتها ، لدرجة جعلتها تضع نفسها فى خدمة الدولة العالمية العميقة وتحقيق أغراضها ضد مصالح أوطانها العليا .
ومن أهم خصائص الدولة السفلية العميقة أن حدودها مفتوحة وشديدة التلاقى ، فرغم ما يشاع عن عداءات بين الدول ، إلا أنك سوف تلاحظ  درجة عجيبة من التشابك والتداخل بين هذه القوى ، وهذا ما يحتاج منا لوقفة متأنية وفهم عميق وخاصة فيما يتعلق بالحالة المصرية .
إن الإختراق الأخطر لأمن مصر القومى فى عهد مبارك كان من قبل المخابرات العالمية بقيادة الصهيوأمريكية لدولة مصر العميقة ، وكان المهندس الأكبر لهذا الاختراق هو الفريق عمر سليمان (هناك شائعات قوية حول موته المفاجئ في أمريكا وعلاقة ذلك برحلته الأخيرة لدمشق بشأن الأسلحة الكيماوية السورية ...ما زلنا في حاجة للتحقيق في الأمر)، والذى ظل يقود أحد أفضل جهاز مخابراتى عالمى كما استلمه ، لكن الذى ظهر من الملابسات والأحداث قد دل بشكل لا يدع مجالا للشك أنه قد تحول بضربة معلم مخابراتية ، إلى العمل بشكل توافقى تام مع الدول المخابراتية العالمية العميقة ، ولعل أبرز ما مكن له فى مصر بشكل تام هو ما قام به فى بدايات عهد مبارك ، حينما دبرت الدولة العالمية العميقة باحترافية عالية تمثيلية محاولة الاعتداء على مبارك فى أديس أبابا ، حيث استطاعت من وراء هذه التمثيلية المحكمة ضرب عدة عصافير بحجر واحد ، أولها زيادة مكانة عمر سليمان وسطوته لدى مبارك وسيطرته التامة على كافة مقاليد أخطر جهاز فى مصر وهو المخابرات العامة ، وأن يكون له التحكم والتوجيه المطلق لرئيس الجمهورية وسياسة الدولة العليا بالداخل وخارج مصر .
وثانيها :  زيادة التعاطف مع مبارك نفسه الذى تم اختياره بعناية من قِبل الدولة العالمية العميقة ليكون أفضل شخصية من وجهة نظرها تخلف السادات ويحقق لها كافة أهدافها الإستراتيجية بشكل مثالى ، وثالثها تهيئة المناخ الداخلى لشن حرب على التيار الإسلامى الشعبى المتنامى باعتباره الخطر الأكبر والوحيد الذى يمكن أن يهدد الدولة العميقة إن عاجلاً أو آجلأً ، خاصة وأنه لم يكن من الصعب إلصاق العملية لمتطرفين إسلاميين ، وهو ما اتضخ بعد ذلك من قيادة كافة أجهزة الدولة من قِبل الدولة العميقة لتعبئة المناخ ضد الإسلام والإسلاميين بما سُمى حرب تجفيف المنابع ، هكذا أعلن حينها عالميا وبشكل منهجى منظم على كافة الأوجه ، سواء  ما كان منها إعلاميا، أو تعليميا ، أو قانونيا ، أو سياسيا ... إلخ .
لقد حدث تحالف شيطانى سفلى عجيب بين شياطين الدولة العميقة فى مصر من زبانية العدلى وأجهزته الامنية الخفية ، وسليمان الذى بدأ يوجه الجهاز الوطنى النزيه تدريجيا لتفريغه من مضمونه وجعله مع الوقت وخاصة الجزء الفاعل منه يدور فى الفلك الدوار للدولة العالمية العميقة .
       ولا يمكن أن أجزم بأنه قد نجح فى تلويث كافة أجزاء الجهاز وبرمجته سلبيا مع المصالح العليا للدولة العالمية العميقة ، فقد كان ذلك من الأمور الصعبة لشدة الوطنية التى تربى عليها أعضاؤه ، ولكنه اعتمد على أن الزمن جزء مهم للوصول إلى تحقيق أهدافه ، وما لا يُدرك كله لا يُترك كله ، والمهم هو استخدام إمكانات الجهاز ووضعها تحت تصرف الدولة العالمية العميقة التى استطاعت مع الوقت تحويل مبارك وكافة أعوانه ورجال إعلامه ووزرائه وكافة الفاعلين فى دولته للعمل لمصلحة الدولة العالمية العميقة وبدرجة عالية من الإخلاص والتفانى خاصة بعد أن تلاقت مصالح الاثنين معاً وكان الثمن الأساسى هو بيع مصر وأمنها القومى مقابل التمتع بسرقة ثرواتها وجعلها نهبا لهؤلاء العملاء المخلصين .
وهكذا سارت الأمور ليكون دور الدولة العميقة فى تخريب مصر وتهميشها إستراتيحية منظمة ومتعمدة يتم تنفيذها بإتقان لمصالح الدولة العالمية العميقة .
ولعل أبرز دليل يوضح ذلك هو شهادة أحد أبرز قيادات هذه الأجهزة المخابراتية الصهيونية وهو اللواء عاموس يدلين وهويدلى بآخر حديث له عن إنجازات جهاز المخابرات الإسرائيلى فى عهده وذلك أثناء مراسم تسليمه المهمة لغيره ، حيث قال بالحرف الواحد عن إنجازه فى مصر : " إن مصر هى الملعب الأكبر لنشاطات جهاز المخابرات الحربية الإسرائيلى ، وأن العمل فى مصر تطور حسب الخطط المرسومة منذ عام 1979" وأضاف: "لقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية فى أكثر من موقع ، ونجحنا فى تصعيد التوتر والاحتقان الطائفى والاجتماعى ، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً ، ومنقسمة إلى أكثر من شطر فى سبيل تعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية ، لكى يعجز أى نظام يأتى بعد حسنى مبارك فى معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشى فى مصر"(أليس ما يحدث الآن في مصر يعتبر متطابقا بشكل كبير مع هذا التصريح...؟! )
لقد ضمن الجزء الخفى من الدولة العميقة تحرك كافة القوى اللاعبة على مسرح الأحداث والمؤثرة فيه سواء كانت قضائية ، أو سياسية ، أو إعلامية ، وأمنية ، أو حتى ما كان يسمى بالنخبة ، لدرجة أنه كان لبعضها في السابق دور مرسوم بعناية كمعارضة محسوبة للنظام القائم دون أية فعالية أو خطورة على وجوده ، وكان الهدف من ذلك هو تجميل شكل النظام من ناحية ، ومحاولة سحب البساط من تحت العدو الأكبر وهو التيار الإسلامى من الناحية الأخرى .
لا شك أن الجزء الظاهر من الدولة العميقة يتحرك الآن بشكل واضح كمطرقة في يد الجزء الخفي للقضاء على الثورة ومنجزاتها ،فإن لم يستطع فتشويهها،وخلق القلاقل والأزمات ،والاحتجاجات ضد الدولة الوليدة المترتبة عليها ،بصرف النظر من الذي يحكم ،طالما جاء بأسلوب ديموقراطي شعبي حر ،وهو ما يعتبر خطا أحمر للدولة الشيطانية العالمية العميقة ،فإذا كان الذي اختاره الشعب  إسلاميا ،فإن الطامة بالنسبة لهم ستكون أعظم ،وستكون المقاومة مستميتة.
ولعل ضبط رتبة أمنية حساسة تقود معركة البلطجية ضد مقار حزب الحرية والعدالة وأنصاره الأسبوع فبل الماضي بالاسكندرية ،خير دليل يكشف عن بعض مما يدبر في الخفاء
لقد انتهى الأمر إلى أن أصبحت دولة الفساد العميقة بكافة أدواتها الظاهرة والباطنة فى حالة استنفار لتكون وجها لوجه ضد الثورة المباركة لإجهاض النظام الوليد الذى تحاول بناؤه بديلاً عن النظام القديم الفاسد ، إنها محاولات مستميتة للدفاع عن بقائها ، والحفاظ على مكاسبها ، والتشبث بمواقعها .
فهل تترك طليقة اليد حرة الحركة لتضع المزيد من الألغام تمهيدا لإطلاق مدفعيتها الثقيلة على ثورة مصر المباركة والقضاء عليها ،أم يتم العمل على تفكيكها وإعادة هيكلتها ،حتى لاتكون – لا قدر الله - تيتنك أخرى(حيث كان أهم سبب مادي لغرق السفينة تيتنك في أول رحلة لها هو الجزء الغاطس في الماء من جبل الجليد فشقها نصفين لتتلاشى في لحظات)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق