الأربعاء، 14 نوفمبر 2012

دولة المواطن



دولة المواطن
 أ.د. محمد المحمدى الماضى
أستاذ إدارة الإستراتيجية بجامعة القاهرة
www.almohamady.com
الحرية والعدالة الخميس 8/11/2012
لا شك أنه قد حدثت ثورة فى مصر ، والذى أبدع هذه الثورة الملهمة لكافة الشعوب هم جموع المواطنين من شعب مصر .
وقد كان من المألوف على مر التاريخ المصرى أن يحدث التغيير من أعلى قمة السلطة فيقضى ظالم على ظالم قبله ، ويتربع الظالم الجديد على سدة الحكم ، والشعب يترقب لحظات الفرج بشكل سكونى سلبى ، فإذا به يكتشف فى نهاية المطاف أنه لا يزال يعيش نفس مسلسل الفساد والاستبداد ، وإن تغيرت أسماء المفسدين ومسمياتهم ...!
ولعل أحد أهم أسباب نجاح الثورة الشعبية المصرية بمثل هذا الرقى الحضارى وبشكلها السلمى ووحدتها وقوتها أنها استندت إلى مخزون حضارى متراكم على مر السنين ومخزون غضب متراكم من كافة الممارسات التاريخية الظالمة للمواطن من قِبل الحاكم على مر التاريخ والذى وصل قمته فى نهايات عهد مبارك .
فإذا كانت الثورة قد نجحت فى بداياتها باقتلاع رؤوس الاستبداد والفساد ، والتى حولت مصر فى آخر عهدها إلى عزبة ، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ، فإن المواطن المصرى الثائر لن يرضى بأقل من أن تتحول الدولة وبحق إلى دولة المواطن ، وليست عزبة الحاكم أياً كان اسمه ومسماه ، وحينئذ يمكن اعتبار الثورة قد نجحت .
وهذا المفهوم هو اختصار شديد لما يجب أن يسعى لتحقيقه أى نظام حكم ثورى حقيقى يتولى إدارة مصر ما بعد الثورة .
ولا شك أن تحقيق مثل هذا الأمر سوف يقابله صعوبات بل تحديات جسيمة على أرض الواقع خاصة من أنصار دولة الفساد الذين يتجذرون فى كل شبر من مؤسسات الدولة المختلفة ، والذين تشبعوا بثقافة إحتقار المواطن أو على الأقل تجاهله واعتبار أن المنصب ليس إلا وسيلة تحقق لهم تميزاً على من عداهم ، ناهيك عن الفساد والاستبداد الإدارى والتعالى على المواطن ، فإذا افترضنا أنه قد حدث نجاح فى القضاء على هذه الثقافة السلبية فأمامنا الدائرة البيروقراطية الجهنمية التى صارت مع الوقت تحكم بروتينها القاتل نظم الإدارة ، وتبدو مستعصية على كافة محاولات الإصلاح على مر التاريخ .
لكن الروح الثورية الجديدة يجب أن تمضى إلى نهاية الطريق لتحرير الدولة من تلك الثقافة الفاسدة ، والبيروقراطية القاتلة لمجموعة من الموظفين النفعيين الفاسدين ، الذين ربما لن يجدى معهم كثيراً أى محاولة من محاولات التعامل التقليدى من منطلق افتراض حسن النية . إن الفجوة الحالية فى الجهاز الإدارى للدولة بين ما هو مأمول لتكون بحق دولة المواطن والوضع الراهن ، تعتبر فجوة كبيرة ، لكن اجتيازها ليس مستحيلاً ، والأمر يحتاج إلى وسائل لا تقل ثورية عما حدث فى اقتلاع رؤوس الفساد مع بدايات الثورة ، بل ربما أدعى بكل اطمئنان أن استمرارية المدَ الثورى وقوته يجب أن تكون أشد مما سبق ...!
فهل هناك دليل يمكن أن يقودنا حتى نصل إلى دولة المواطن التى ننشدها ، ما هي وسائل لتحقيق ذلك ؟
أود أن أشير إلى أن هناك محاولات وتجارب ناجحة فى كثير من الدول الديموقراطية حققت نتائج مبهرة فيما يمكن أن نسميه دولة المواطن, وهو ما يمثل قمة النضج الديمقراطى .
وعلى سبيل المثال بدأ فى بريطانيا إعلان ما أطلق عليه "حقوق المواطنين" كامتداد لحقوق الإنسان والذى أقره جون ميجور رئيس وزرائها الأسبق فى يوليو 1991 .
فطبقاً لهذا الإعلان تصبح كل إدارة حكومية ملزمة بنشر وتنفيذ معايير خاصة لتوكيد جودة الخدمة المقدمة للعميل.
كما يوضح الإعلان طريقة تعويض العملاء عن كل إخلال بمعايير تقديم الخدمة الحكومية أياً كان نوعها (تعليم،صحة ، نقل...) ولتشجيع المنظمات الحكومية على مزيد من العمل والتنافس على حسن خدمة المواطن ، ويتم منح المنظمات الملتزمة علامة الجودة الحكومية ، التى توضع على منشورات ولافتات المنظمة لتشيد بإخلاصها فى تقديم خدمات متميزة للمواطنين ، وبحلول عام 1996 تمكنت أكثر من 400 منظمة حكومية بريطانية من الحصول على هذه العلامة.
كما يمكن منح مديرى وموظفى مثل هذه المؤسسات حوافز ومزايا عينية ومادية مكافأة على هذا التميز فى الأداء وبشكل معلن .
ومن أمثلة إعلان المرضى فى بريطانيا "إذا طلبت سيارة إسعاف ستصلك خلال 14 دقيقة فى المناطق الحضرية ، و19 دقيقة فى المناطق الريفية" .
"إذا دخلت قسم الطوارىء ، فيمكنك توقع زيارة طبيب وإسعاف حالتك فى الحال . كما يمكنك أن تتوقع الحصول على سرير بالمستشفى خلال ساعتين" .
وهكذا هناك معايير محددة معلنة لمستوى الجودة الذى يجب أن يحصل عليه المواطن لكل خدمة حكومية ، وكذلك التعويض المناسب فى حالة الإخلال بهذا المستوى ، ومحاسبة المسئولسن عن هذا الإخلال . وفى ضوء هذا وصل عدد المواثيق إلى 42 ميثاق على المستوى الوطنى وحوالى 10.000 ميثاق محلى ، وتعتمد هذه المواثيق على ستة مبادىء رئيسة تدور كلها حول الحصول على أفضل قيمة للنقود المنفقة ، وتنص على : "أن الحكومة تعتمد فى تقديم خدماتها على معايير الكفاءة والعوامل الإقتصادية ، والفاعلية وعلى أن يتم مقارنة الأداء فى ضوء هذه المعايير .
وهذا الميثاق يطبق على جميع الخدمات العامة : مدارس ، جامعات ، مستشفيات عامة، سكك حديدة ، طرق ، خدمات محلية ، بوليس ، إطفاء ، بريد ، جمارك ، ضرائب ، وحتى على ما تم خصخصته من الخدمات الحكومية .
لقد أدت هذه المواثيق بالفعل إلى حكومة أكثر إنفتاحاً مع الجماهير .
إن تجربة الحكومة البريطانية تعتبر ثرية ورائدة وناجحة فى هذا التوجه ، ويمكن للمتخصصين زيادة التعمق فى دراستها وغيرها من التجارب فى الدول الأخرى كاستراليا ، وكندا ، وأمريكا وغيرها .
ومن الاستراتيجيات المجربة عالمياً لتفعيل دولة المواطن ما يسمى باستراتيجية العميل فى قياس الأداء ، أو دع المواطنين يوجّهون الدفة" ، وذلك بوضع مقاييس الفعالية والحكم على جودة الأداء ، فى يد العميل وأهم المداخل لتحقيق ذلك مدخل الخيار للعميل ، حيث يطلق العنان للجمهور فى اختيار الجهات الحكومية التى يتعاملون معها ، وجعل هذه المؤسسات تتنافس للحصول على العميل ، حيث يتوقف ما تأخذه من تمويل على قدرما تحصل عليه من عملاء يرضون عن أدائها سواء كانت مدارس أو مستشفيات أو غيرها .
إن على حكومات ما بعد الثورة الرشيدة لانجاز ذلك أن تعمل على مراعاة تحقيق التمكين بكافة مستوياته وأهمها :
1-  تمكين المنظمة : بمنحها المزيد من الاستقلالية والصلاحيات والسلطات والحرية فى التصرف فى ضوء المعايير والضوابط والسياسات التى سبق صياغتها بعناية.
2-  تمكين الموظفين : بمنحهم السلطة فى اتخاذ القرارات ، وسرعة التصرف والاستجابة للمواطنين والمبادرة لحل المشكلات بطريقة مباشرة دون الرجوع للمركز .
3-  تمكين المجتمع : وذلك بمنحه السلطة الكافية لحل مشاكله بنفسه والمشاركة فى إدارة مؤسساته كما يحب ، ومرقبة جودة أدائها كالمدارس والمستشفيات وهيئات النظافة ... إلخ .
ربما لا يختلف معى أحد فى كل ما طرحته وهو أن تتحول الدولة فى مصر بشكل فعلى وتطبيقى إلى دولة المواطن .
وإننا أمامنا فرصة حقيقية لتحقيق هذا الهدف بعد تلك الثورة العظيمة التى أوجدت روحا وثَابة عظيمة يجب أن نحافظ على استمرار توهجها وإشراقها للوصول بمنجزات الثورة إلى نهاية المطاف .
ولا شك أن أكبر معوق فى طريق تحقيق ذلك هو تلك الثقافات السائدة فى المؤسسات الحكومية والتى تكرس الجمود والتردد واللامبالاة والفساد ... ، بل وربما تكافىء عليها ...!
إن على صانع القرار أن يعتبر نفسه فى هذه المرحلة فى عملية إدارة للتغيير والتحول ومراعاة سنن وطبائع النفوس وما تقتضيه من تدرج وحكمة لتحويل الثقافات السائدة إلى ثقافة مبادرة تحث على الابتكار والإبداع والاتقان وتحمل المخاطرة .
 إنني أدعوا من هذا المنبر إلى المزيد من المشاركة المجتمعية الحقيقية والفاعلة تحت رعاية الحكومة لمناقشات مفتوحة من كافة المعنيين والمختصين والمهتمين من عموم المواطنين لإيجاد كافة الآليات والسياسات الضرورية لإنجاز هذا التحول .
فشعب مصر العظيم ليس أقل من شعوب الأرض التى تستمتع حقاً بدولة يكون المواطن فيها هو السيد ، بينما يكون المسئول بكل مستوياته خادماً ، وهذا ما أقره الإسلام ، وما يطبقه الغرب الآن .
آن الأوان أن نُخرج أنفسنا من متاهات الجدل والمنابذات التى تؤخر ولا تقدم ، ولننطلق نحو الهدف الأسمى ، ألا وهو الوصول لدولة المواطن الذى يحصل فيها على كافة حقوقه بكرامة وبشكل راقٍ ، ويؤدى كل ما عليه من واجبات بحب وإتقان وإبداع ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق