العسكر والثورة :محاولة فهم أوراق اللعبة
موقف العسكر من الثورة في البداية:تكتيكي أم استراتيجي؟
أرى أن أوراق اللعبة أصبحت الآن على المكشوف بين العسكر والثورة ،فبعد أن تخلصت الثورة من الوجوه التي أصبحت عبئا على النظام السابق كمبارك، وأسرته ،وحزبه ،وبعض رجاله الحمقى كعز والعادلي ...وكان من المفروض أن يستمر تغيير النظام وكافة رموزه وأكابر مجرميه وصغارهم ،وهم معلومون بالضرورة ،إلا أنه يبدو واضحا أن العسكر الذي تدخل وأعلن تأييده للثورة بعد ما تأكد من نجاحها ،قد كان موقفه تكتيكيا وليس استراتيجيا مع الثورة ؛بمعني استخدام الثورة لتحقيق هدف مشترك وهو التخلص من تلك الوجوه المحروقة في النظام السابق، لكن مع عدم التخلي بأي حال من الأحوال عن النظام نفسه ،بكل ما فيه من فساد واستبداد ونهب لثروات البلاد وتبعية للغرب. فلم يكن موقف العسكر هوانحياز كامل لمطالب الثورة كموقف العسكر في تونس مثلا ،وإنما كان موقف تكتيكي لتحقيق هدف مشترك كما ذكرت وهو التخلص من وجوه صارت عبئا ثقيلا على النظام الخادم لمصالح الغرب واسرائيل ،وليس التخلص من النظام ذاته،بل إعادة انتاجه مع بعض التجميل ،وفي نفس الوقت لم يكن واردا في أجندة العسكر(أعني بكلمة العسكر المجلس العسكري ومتمماته من أركان النظام السابق من كافة الأجهزة الخفية والجلية التي لاتزال قابعة، ولا أعني جيشنا الوطني الحر الذي يعتبر جزءا أصيلا لايتجزأ من الشعب ...) أن يرضى أن يحكم مصر في يوم من الأيام نظام يأتي به الشعب بشكل ديموقراطي حر ولا يكون هو اللاعب الأول والأخير فيه ، خاصة لو كان الاخوان المسلمين الذين يعدوا هم العدو الأساسي في العقيدة الضهيو أمريكية التي تربى عليها وتشربها العسكر.
البيت الأبيض واستقطاب الثورة:
فلقد كان هدف قيادات البيت الأبيض واضحا وجليا حين أعلن أوباما ووزيرة خارجيته أنهم طلبوا من مبارك التخلي عن سلطته فورا لسليمان ؛ رجل أمريكا وإسرائيل المخلص والمضمون ، ليقوم بعمل بعض الاصلاحات الشكلية مثل حل مجلسي الشعب والشورى فاقدي الشرعية ، ووقف العمل بالدستور المشوه ،ووقف سيناريو التوريث المرفوض من الجميع ،وهنا سيتم امتصاص غضبة الشعب ،ويهتف بحياة البطل المنقذ سليمان ؛ ليعيد بهدوء إعادة إنتاج النظام السابق بطبعة أمريكية جديدة ...!
ولكن، ولحكمة ربانية ، لم يستجب مبارك وتأخر كما نعلم فخاب هذا السيناريو وانكشف أمره للشعب المصري العبقري الذي أصر على الاطاحة بالنظام نفسه لا ببعض رجاله ...واضطر العسكر للتدخل للامساك بزمام الأمور بدعوى حماية الثورة والحفاظ على الأمن حتى يتم تسليم السلطة للشعب ديموقراطيا فيما لايزيد عن ستة أشهر وصفق لهم الشعب الطيب في البداية وصدقهم .
لكن كان الشيئ الغريب والواضح هو أن الأيام أثبتت يوما بعد يوم أن العسكر يتباطأ ويتراجع ،فلا هو يفي بوعوده ،ولا يقوم بدوره في التخلص من أركان النظام السابق نفسه إلا مضطرا تحت وطأة زئير الشعب الهادر في المليونيات ،وقطرة قطرة بحسب مقدار الضغط الشعبي الواقع عليه ،وحتى حين، بل سار على وتيرة واحدة واضحة وهي تمكينه وتثبيت كافة رموزه السابقين في أهم مفاصل الدولة ؛ من محافظين ،ووزراء ،وكبار موظفي المؤسسات الاستراتيجية ،بتحد سافر.
بداية التحدي السافر للعسكر بمطالب خاصة في الدستور:
رغم ما حاول العسكر اظهاره من وقوف بجانب الثورة ،إلا أن كافة استجاباته لم تتم إلا بالضغط والمليونيات فقط ،وبشكل جزئي وقتي تكتيكي ،منتظرا أن يخف بريق الثورة بعد أن خطط بعناية لتشويهها باستخدام البلطجية والحمقي للقيام بأعمال حمقاء تنسب للثوار لتشوه صورة الثورة في أعين الشعب ،ثم ينقض عليها ويفرغها من مضمونها ...لكن الفصائل الأكبر والأعقل فوتت عليه الفرصة ...
فحاول أن يساوم قبل اجراء انتخابات الشعب والشورى بالمسوامة على التوقيع له مسبقا بامتيازات في الدستور المرتقب لتظل هيمنته على سلطة البلاد هي الأعلى باسم الدستور ،فيما سمي وثيقة السلمي ،وللأسف ساندته كل القوى الموجودة على الساحة تقريبا بما فيهم من ليبراليين ،وثوريين ،و9 مارس ،وكفاية ،ووفد ، وتجمع ،...الخ
لكن كانت وقفة الاخوان وباقي الفصائل المعارضة في مليونيات جمعة 18 نوفمبر 2011، لتعيده إلى صوابه وتدفعه دفعا لاستكمال الانتخابات النيابية ولكن مع تربصه لإعادة الكرة ولو بعد حين .
ثم أحداث محمد محمود التي صنعها للانقضاض على الثورة والتنكر للانتخابات ولكنها انقلبت عليه وورطته ولم يجد بدا – مضطرا- إلا اتمام العملية الانتخابية ،مع التربص ،حتى حين ، ليعيد ترتيب أوراق اللعبة ليزيد من القوى الفلولية المؤيدة له ،ويقلل ويضعف من القوى المؤيدة للثورة لينقض وينفذ استراتيجيته الأساسية التي لاتغيب لحظة عن عينيه وهي القضاء تماما على جوهر الثورة وهدفها الحقيقي اسقاط النظام ،وذلك بإعادة أركان النظام السابق على يديه بوجوه جديدة من نفس النظام (فلول ونخبة وإعلام ..) ولا مانع من أن يرتدوا ثياب الثوار المخلصين ليجهضوا الثورة باسم الثورة...
لقد اطمأن العسكر تماما إلى العقلانية الزائدة لأكبر فصيل ثوري (الاخوان المسلمين) خاصة بعد مبادرة حسن النوايا بعدم الدفع بمرشح رئاسي ،وعدم السعي لأغلبية مطلقة في البرلمان ،وبدلا من الاستجابة لهذه المبادرة ،اعتبرها فرصة يستدرج فيها الاخوان والقوى الثورية الأخرى لفخ مجلس شعب وشورى مفرغ من سلطاته ،مع اطلاق زبانية اعلامه لبث رسالة اعلامية وتكرارها:
"ماذا فعل مجلس الشعب الذي انتخبناه ؟ لم يفعل لنا شيئا ...؟ بل زادت المشاكل ...!؟ "
واتضحت معالم الخطة جيدا مع الوقت بل وبدأ التنفيذ على الأرض بشكل سافر ؛
1) مسلسل تأزيم البلاد بخلق الأزمات المفتعلة لتكفير الناس بالثورة ونوابهم الشوم ،تماما كما تنبأ مبارك ؛أنا أو الفوضى ...،مثل أزمة البنزين والسولار ،والبوتجاز والترويع الأمني ، وخنق المرور ...الخ ثم اطلاق اعلام مبارك لبث دعايته المسمومة بنسبة كل ما يحدث للثورة وما جلبته على الشعب باختياره السيئ لنوابه ...الخ
2) الاصرار على تمكين كافة رموز النظام السابق في الهيكل التنفيذي للدولة بكل فسادهم وجهلهم ليكملوا من نهبهم وتخريبهم لثروة البلاد بشكل سافر وواضح .
3) حرص العسكر على عدم إعادة بناء وهيكلة وزارة الداخلية لتظل ضعيفة ،وتمكين فلول النظام السابق بها وخاصة جهاز أمن الدولة بعد تغيير اسمه، وتمكينه وجهاز بلطجيته من ترويع المواطنين والامساك بزمام إدارة مؤسسات الدولة بما لديهم من معلومات تفصيلية عن كافة الموالين والمعادين للنظام السابق.
4) عدم السير بأي شكل من الاشكال الجدية في محاكمات رموز النظام السابق بعد الاضطرار لحبسها وبدأ محاكماتها تحت الضغط الشعبي .
5) بل هناك مؤامرة وتواطؤ واضح من النظام الحاكم الآن بعدم السعي للمطالبة بالأموال المنهوبة والتي أعلنت أكثر من دولة غربية بتجميدها تمهيدا لردها في حالة طلبها لكن الغريب أن أحدا لم يتقدم رسميا بذلك وهذا يثير علامات استفهام كثيرة أقلها لمصلحة من ؟
6) الهجمة الشرسة والمسعورة على الجمعية التأسيسية بمجرد محاولة تشكيلها للتشويش عليها ،طالما لن تتضمن للعسكر الامتيازات المطلقة التي يريدونها في الدستور.(قلب الترابيزة)
7) التمهيد للدفع بمرشح رئاسي فلولي (كسليمان أو شفيق) يكون بمثابة الضربة القاضية لمنجزات الثورة والعودة بها إلى نقطة الصفر ،خاصة في غيبة الاخوان ،وتفتت الأصوات بين مرشحين متكافئين من التيار الاسلامي .
8) كان موقف الاخوان التركيز على نظام ديموقراطي يعطي الحكومة للحزب الأكثر شعبية ومن ثم يتمكنوا من تنفيذ برامج الاصلاح الثورية التي قامت الثورة من أجلها ،ولكن اتضح في الأيام الأخيرة أن العسكر (كما سبق أن أوضحت) لايريدون اعطاء الوزارة ولا الرئاسة ولا الدستور لممثلي الشعب الحقيقيين ...ومن ثم وجد الاخوان باعتبارهم الفصيل الأقوى الممثل للثورة والمدعوم بشكل شرعي أمام أحد ثلاثة بدائل :
ألأول:
إما النزول للشارع مرة ثانية لاستكمال الدفع الثوري بمليونيات لاترجع قبل الانتهاء نهائيا من حكم الغسكر.
الثاني:
وإما الرضوخ لمطالب العسكر وتفويت المواد التي يريدونها في الدستور .
الثالث :
وإما الدفع بمرشح يضرب عدة عصافير بحجر واحد ،ويظل خيار الدفع الثوري بمليونيات قائم في أي لحظة.
وكما هو واضح انحاز مجلس شورى الاخوان للخيار الثالث والأخير .
خلاصة :
هذه قراءة تحليلية سريعة وهادئة كمحاولة شخصية لفهم المشهد السياسي ،أما حقائق الأمور فعلمها عند الله ،وأما عن المستقبل فيقيني الذي لايتزعزع هو نصرة الحق وإزهاق الباطل ،وأن المحرك الأساسي والوحيد للأمور هو الله ،حتى الاخوان أنفسهم ، قد يريدوا أمرا ويريد الله غيره ولن تكون إلا إرادة الله لإحقاق الحق كاملا واقتلاع الباطل من جذوره.
"...وتودون أن غيرذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين. ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق